رفيع الدين محمد بن محمد مؤمن الجيلاني
34
الذريعة إلى حافظ الشريعة ( شرح أصول الكافي )
فلينظر ناظر بعقله هل الذي صرّح الإمام عليه السلام بأنّ للمخلوق أن يعرفه من الخالق حقّ معرفته إلّاالمعنى البديهيّ الانتزاعي المشترك بين الواجب والممكن المنتزع ممّن يدرك ذاته بإحدى الحواسّ من الذوات الفاقرة ، وممّن اضطرّ العقل على الحكم باستدعائهنّ إيّاه من جهة استلزام الفقر الذاتي الغنى الذاتي ، وقد قلت في هذا المعنى : بغير كَوْن غنى كز فقير شد مفهوم * مگو كه راه بود عاقلان دانا را والقائلون بوحدة الوجود إن اصطلحوا على تسمية من ينتزع منه الكون بالذات لا ببركة الإيجاد أو غير الإيجاد بالوجود ، فلا مُشاحّة فيه ، إلّاأنّ الظاهر من أشعارهم أنّ الحضرة القدّوسيّة له تعيّن ذاتي هو عين ذاته ، وبذلك الاعتبار يسمّى واجب الوجود ، وتعيّناتٌ ظهوريّة كلّ منها مظهر اسم من أسمائه الحسنى التي استحقّها لذاته ، وباعتبار كلّ تعيّن يسمّى ممكناً خاصّاً ، تعالى عمّا يقول الظالمون علوّاً كبيراً . وربّما يستشهد لذلك بقول أمير المؤمنين عليه السلام : « داخل في الأشياء لا كشيء داخل في شيء ، وخارج عن الأشياء لا كشيء خارج عن شيء » « 1 » . وبعد تحقيق معنى الطينة الطيّبة وخلقها ومعنى الإيجاد والوجود والماهيّة لزيادة بصيرة فيما نحن بصدده نقول : قد عرفت أنّ الجود الذاتي اقتضى خلق مهيّاتٍ شريفة ليتنعّموا بنعيم المعرفة ، فيترقّوا إلى لذيذ المحبّة التي هي أعلى المطالب وأقصى المآرب ، كما في مناجاة الإمام زين العابدين عليه السلام : « إلهي من ذا الذي ذاق حلاوة محبّتك فرام منك بدلًا ؟ ومن ذا الذي آنس بقربك فابتغى عنك حولًا ؟ » « 2 » . وهذه الطينات الشريفة هي المقصودة بالذات في الخلقة وإن كانت طبقاتٍ متفاوتةً ، فالجميع من سنخ واحد وكنفس واحدة . والحكمة الكاملة اقتضت خلق طينات خبيثة لمصالحَ ، منها : أن تنتفع بهم الطينات
--> ( 1 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 85 ، باب أنّه لا يعرف إلّا به ، ح 2 ؛ المحاسن ، ص 239 ، ح 217 ؛ التوحيد ، ص 285 ، ح 2 ؛ الأمالي للصدوق ، ص 343 ، المجلس 55 ، ح 1 ؛ الاختصاص ، ص 235 . ( 2 ) . الصحيفة السجّاديّة ، ص 413 ، الدعاء 190 ( الأبطحي ) ؛ بحارالأنوار ، ج 91 ، ص 148 ؛ جامع السعادات ، ج 3 ، ص 123 .